جيرار جهامي ، سميح دغيم
369
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
في اللغة وفي الدين غالبا ، يحكمها قانون واحد ويشترك أفرادها في المنافع والمضارّ ، كالأمّة المصرية ، يفيض نيلها باعتدال فينتفع بذلك كل المصريين ، وتحسن زراعة القطن فيها سنة وترتفع أثمانه فيكون القطر كله في رخاء . ( أحمد أمين ، الأخلاق ، 130 ، 4 ) . - إن الأمّة من المرحلة التاريخية كالبذرة من موسمها ؛ كلتاهما تنمو بتشعّب العلاقة بينها وبين بيئتها الخاصة . إلّا أن الأمّة تزهو بتجاوب رحماني بينها وبين بيئتها الإنسانية تجاوبا تستقطب به نفوس أبنائها التيّارات الفكرية ، وتبعث بالرموز معاني ؛ في حين أن البذرة تنمو وتزدهر بتفاعلها آليّا مع بيئتها الطبيعية . أما البيئة الإنسانية فتتألّف من العلم والصناعة من جهة ، ومن المؤسّسات الاجتماعية التي أورثها الأجداد للأحفاد من جهة ثانية . إنها تتألّف من رموز تتحوّل لدى الوعي إلى معان يرتقي الذهن على مصاعدها نحو المفاهيم في مصادرها . هذا فضلا عن أن العلم ينسج قوام الفكر ، وأن اتّصال الوجدان هذا بالطبيعة يجدّد نسغ الحياة ، وأنه بانسجام قطبي النفس هذين تنمو الشخصية أبدا . وأن الصناعة تبني هيكل المجتمع ، وبها يخضع الإنسان ظروف البيئة لمشيئته ، وعلى قدر انتشارها تقوم قاعدة المجتمع فسيحة في الطبيعة . ( الأرسوزي ، المؤلفات 1 ، 265 ، 2 ) . - إن مثل الأمّة كمثل القصيدة ، هذه تتأرجح بين الإلهام والألفاظ ، بين المعنى المستفاض من تجربة الفنّان المثلى كإلهام وبين المعاني المتعارف عليها في الألفاظ التي منها ينسج الفنّان تحفته الفنية ، وتلك يتردّد كيانها بين العقيدة والعرف ، بين الصبوة المشتركة نحو المثل الأعلى وبين تقاليد الجماعة . وإذا كانت الأمم تلتقي بالقاعدة حيث تمسّ الحياة مأخذ قوّتها الطبيعية ، ( النظام الاقتصادي بحسب كارل ماركس ) ، وإذا كانت تلتقي في الذروة أيضا حيث تستقرّ الحقائق الخالدة ( كالتقاء المسيح وأفلاطون مثلا في تأمّلاتهما ) فإنها تختلف في نظام كيانها وفي اصطفائها مآثر أبنائها . فمنها من يؤثر السيطرة على الطبيعة ، ومنها من يبقى رائده الملأ الأعلى ، ومنها من يتعثّر في سيره نحو الغاية . ( الأرسوزي ، المؤلفات 2 ، 244 ، 16 ) . - كلمة « أمّة » ترجع هي والأم إلى ذات المصدر ، فتبدو في الحدس العربي كامتداد للأسرة ، أي تقوم على بنيان رحماني مشترك عن الأم يصدر الأبناء وهي منهم محطّ الآمال ، وعن الأمة يصدر الإخوان أعضاء المجتمع ؛ وهي لهم معين ينهلون منه الثقافة . ( الأرسوزي ، المؤلفات 3 ، 250 ، 13 ) . - الأمّة ليست امتدادا للأسرة فحسب ، إنها عقيدة أيضا . تتجلّى الأمة في لغتها إذ تلخّص الإنسانية من وجهة نظر معيّنة ، وتتجلّى في مؤسّساتها الاجتماعية كالشريعة والدين والفن . . . في مؤسّسات أصولها في الحدس المنطوية في الكلمات ، وذلك فضلا عن تجلّيها في بنيان رحماني مشترك ( القرابة ) . مثل الأمة كعقيدة كمثل الأحياء في نشر فحواها ، ومن هنا العلاقة بين كلمتي عقيدة و « عقد » الجنين ، أو عقد الزهر . هكذا تتجلّى الأمّة كبداية حياة جديدة ، تكشف عن